مقياس الحياة ليس النجاح



إنك قد تحصل على شهادة وتفوز بوظيفة كبيرة ولقب ونيشان وثروة وتتزوج وتنجب أولادا وبنات ... ومع ذلك لا تكون قد عشت .. لأن الحياة ليست تعيينات ... ولكنها انفعالات ... وقد تعيش كل هذا العمر دون أن يهزك انفعال حاد ويفتح عينيك قلق مبهم وتصهرك لذة حامية.... والحياة تبدأ دائما من هذه اللحظة الباهرة التي تفيق فيها على دهشة على حب وأمل وخوف ولذة وقلق ... أما الأيام التي تعيشها في هوادة ورفق وتنتقل فيها من لحظة مألوفة إلى لحظة مألوفة ... ومن واجب مدرسي إلى تكليف وظيفي ... إلى واجب زوجي.... فهي عادة تسقط من حسابك ولا تحس بها ... وتكون النتيجة أن تفيق فجأة بعد 50 سنة وتتلفت حولك في وجوه أطفالك وتعجب ... وتتساءل ... متى وأين وكيف أنجبتهم.
إن عمرك قد مر بك دون أن تشعر به .. مر بك خلسة... كما يمر شريط السينما وأنت نائم...
إن عمرك الحقيقي ليس تعاقب سنوات.. ولا تعاقب حوادث... ولا عبرة فيه بالتوفيق والنجاح والثروة وبلوغ الأماني أبدا... فكثيرا ما يكون بلوغ الأماني دون مشقة وعناء... يواتيك النجاح في المدرسة كالمعتاد... وتواتيك العروسة عن طريق الخاطبة .. وتواتيك الدرجة في دورك. ويواتيك النسل الوفير، تماما كما تواتي الشجرة ثمارها في كل ربيع.... مثل هذه الحياة ليست حياة ... إنما هي نوع من العادة الشهرية التي تواتي النساء ... مجرد أعراض كالتنفس والنبض ودورة الدم تواتي رجلا غفلانا يمشي في نومه ... تغييرات تطرأ من الظاهر كما يطرأ الصدأ على الحديد ... كما يحدث النحت والتعرية للصخور ة الجبال.
ولكن الحياة شيء آخر تماما...
الحياة اعتمال وانفعال وحركة تجيش في الداخل .. تفتح العينين على حقائق مدهشة وتنبه الأعصاب إلى إحساسات غاية في اللذة ... وغاية في الألم ... وتنبه العقل إلى أسئلة غاية في الغموض ... وتنبه الوجدان إلى عواطف مؤرقة مقلقة..
الحياة يقيسها ترمومتر مغروس في القلب ... لا يقيسها ترمومتر في الجيب، أو ترمومتر (thermometre) مغروس في الظروف....
الحياة شئ آخر تماما غير التوفيق والنجاح والاستقرار والراحة والأمان... كل هذه الأشياء كلام فارغ ليست من الحياة في شيء...
الأمان والراحة والاستقرار، أحلام الجبناء الذين يعيشون في استرخاء وينامون على الكراسي والمناصب كما ينام الذباب.
أما الحياة الحقيقية، فهي نعمة لا يفوز بها إلا الشجاع الجسور الذي يعيش في مجازفات دائمة، ويلقي بنفسه كل يوم إلى غد مجهول ... ويقتحم أراضي جديدة في العمل والفكر والفن والعاطفة.
ولحظة من هذه الحياة تساوي عمرا كاملا ... لأنها تحفل بمشاعر تضيق بها أعمار الكثيرين.
والحياة كالنهر تقاس بالعرض ... بكمية الانفعالات التي تجيش فيها من شاطئ اللذة إلى شاطئ الألم ... وتقاس بالطول بمدى ما يتسع مجراها من ينبوعها إلى مصبها...
أذكر أحيانا في بعض اللحظات أني كنت أشعر أن عمري 1000 سنة من فرط ما يجثم على قلبي من هم وانفعال.
كنت في هذه اللحظات أحس بالأجيال التي مضت وأشعر بوطأة ميراثها في عقلي وأعصابي، فينحني عقلي من الهم كعقل رجل عجوز وكنت أشعر بالمشقة ... ولكني كنت أيضا أشعر باللذة.. لذة المصارع الذي يحيط بالحلبة كلها بذراعيه...
نعم.. لقد أصبحت أشك كثيرا في هذا الشيء الذي يسمونه النجاح...
إن أشرف وأجمل وأنبل ما فينا يعتقل في اللحظة التي نتحول فيها إلى ناس ناجحين عمليين أولاد سوق، لأن مطامعنا الصغيرة الرخيصة تعتقل مطامعنا العالية الرفيعة.
بحكم الوصول لابد لنا من المرونة والتكيف حتى لا نصطدم ونشتبك، لابد لنا من المهادنة والمجاملة والتملق واكتساب الناس بالكذب عليهم ... لابد لنا من تجنب الصدق لأن الصدق يجرح .. وتجنب الصراحة لأن الصراحة تصدم ... لابد أن ننافق الذين نكرههم لأن لهم فائدة ... ونتجنب الذين نحبهم لأنهم يعطلوننا في الطريق... لابد أن نكتم في نفوسنا أشياء لأنه لا يحسن قولها... ونعلن أشياء لا نشعر بها لمجرد أن وقعها ظريف على الآذان ... لابد من الانحناء قليلا لندخل من الأبواب الضيقة الخلفية ... لابد أن نتنازل عن حريتنا ... عن نفوسنا...
إن نجاحنا يبتدلنا ... يعتقلنا ... ينتهك حرماتنا 0...... يضيع من أيدينا حياتنا الحقة... حياة البحث عن العدالة والجمال والحرية والحقيقة ... حياة الحنين إلى كل ما هو صادق وأصيل...
وفي الوقت الذي نظن فيه أننا ننجح ونحقق أحلامنا .. إذَا بنا في الحقيقة نفقد هذه الأحلام ونفقد أنفسنا.... وفي مقابل ماذا؟
في مقابل واقع نجاحنا...
وما هو النسيج الفعلي لهذا الواقع ... لا شيء سوى إشباع حوافز الطعام والجنس وحب السيطرة.
إن واقع النجاح هو في الحقيقة واقع فارغ تماما ولهذا أشعر أحيانا أن الأحلام أكثر واقعية من الواقع، وأن الفشل فيه أحيانا من تراء العقل والنفس أكثر مما في واقع رجل ناجح من أصحاب الملايين .
إن النجاح عندما يكون ثمنه الحرية، يكون سقوطا فلا شيء يساوي الحرية ولا شيء يعلوا على الحرية في  سلم القيم...
لا يوجد شيء أضحي بحريتي من أجله.. لا أضحي بحريتي من أجل الوصول ولا من أجل النجاح ... ولا من أجل اللقمة ولا من أجل الأمان وإنما بها من أجل أن أكسب حرية أكثر أصالة.
كل شئ في الوجود يرخص من أجل الحرية فالثورات السياسية حدثت لأن كلا منها كانت وعدا بالحرية والدماء أريقت باسم الحرية...
من أجل الحرية أضحي بالحياة، بالحب،  بل إن الحب حينما ينزل عن سطوته وجلاله من أجل الحرية يزداد عمقا.
الحب الذي يفسح مكانه للحرية هو الحب وقد ازداد عمقا؛ والحب لا يكون حبا إلا إذا التقى بالجنس وتجاوزه وارتفع فوقه ليحقق اتحادا أعمق...
إن الناجح هو ذاك الذي يصرخ منذ ميلاده، جئت إلى العالم لأختلف معه ... ولا يكف عن رفع يده في براءة الأطفال ليحطم بها كل ظلم وكل باطل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Recent Posts

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | رخصة الإستخدام والنشر | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية